|
سردية الوصف الدقيق في سفر النبات للدينوري- دراسة تحليلية |
اسم
الباحث الأول باللغتين العربية والإنجليزية |
الدكتور /عـباس
عـبـد الحميـد مجاهد |
||
|
Dr. Abbas
Abdul-Hamid Mujahid |
||||
|
اسم
الباحث الثاني باللغتين العربية والإنجليزية: |
/ |
|||
|
/ |
||||
|
اسم
الباحث الثالث باللغتين العربية والإنجليزية: |
/ |
|||
|
/ |
||||
|
The narrative of accurate
description in the book of plants by al-Dinawari - an analytical study |
1
اسم الجامعة والدولة (للأول) باللغتين العربية والإنجليزية |
جامعة فلسطين الأهلية |
||
|
Palestine Ahliya University |
||||
|
2
اسم الجامعة والدولة (للثاني) باللغتين العربية والإنجليزية |
/ |
|||
|
/ |
||||
|
3
اسم الجامعة والدولة (للثالث) باللغتين العربية والإنجليزية |
/ |
|||
|
/ |
||||
|
Doi: لاستعمال هيئة التحرير |
* البريد الالكتروني
للباحث المرسل: E-mail: |
abbas.mujahed1981@gmail.com |
||
|
الملخص: |
|
||
|
تهدف
هذه الدراسة إلى تحليل البنية السردية في كتاب "سفر النبات" لأبي
حنيفة الدينوري، باعتباره نموذجاً فريداً يجمع بين العلم والأدب في التراث
العربي. اعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي لفحص آليات السرد والتضمينات
الثقافية في هذا المؤلف، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: التضمين الثقافي (القرآن،
الشعر، المشاهدات)، المنقول عن الأعراب والرواة، والخصائص السردية للكتاب. كشفت
النتائج عن تميز أسلوب الدينوري بالجمع بين الدقة العلمية والعمق اللغوي، حيث
وظف تقنيات سردية متقدمة في وصف النباتات وخصائصها. اعتمد المؤلف على مصادر
متنوعة خضعت للتمحيص والنقد، مما يعكس منهجية علمية دقيقة. كما أظهرت الدراسة
القيمة الموسوعية للكتاب وتأثيره البالغ على المصنفات اللاحقة في المجالين
العلمي والأدبي. يبرز الكتاب غنى التراث العربي في المزج بين الملاحظة العلمية
والبلاغة اللغوية، حيث جمع بين الوصف الدقيق والاستشهاد بالشعر والمرويات
الشفوية. توصي الدراسة بإجراء أبحاث إضافية حول منهجية التوثيق العلمي عند
الدينوري، ودراسات مقارنة مع المصادر المعاصرة، مع التأكيد على أهمية الاستفادة
من هذا النموذج في تعزيز التكامل بين التخصصات العلمية والإنسانية في البحث
المعاصر. |
|
||
|
كلمات مفتاحية: (السرد العلمي، أبو
حنيفة الدينوري، سفر النبات، الأدب العلمي، التراث العربي.) |
|
||
|
Abstract: |
|
||
|
This
study examines the narrative structure of Abu Hanifa al-Dinawari's "Book
of Plants" (Safar al-Nabat) as a unique work combining scientific and
literary approaches in Arabic heritage. Using descriptive-analytical
methodology, the research investigates three key aspects: cultural inclusions
(Quranic verses, poetry, field observations), narratives from Bedouins and
narrators, and the book's distinctive narrative features. The findings reveal
al-Dinawari's sophisticated integration of scientific precision with
linguistic richness, employing advanced narrative techniques in botanical
descriptions. The author critically examined diverse sources, demonstrating
rigorous scientific methodology. The study highlights the work's encyclopedic
value and its significant influence on subsequent scientific and literary
writings. The book exemplifies how Arabic scholarly tradition harmonized
scientific observation with literary eloquence, blending accurate
descriptions with poetic citations and oral narratives. The study recommends
further research on al-Dinawari's documentation methods, comparative studies
with contemporary sources, and practical applications of this model to
enhance interdisciplinary approaches bridging sciences and humanities in
modern research. |
|
||
|
Keywords: (Scientific
narrative, Abu Hanifa al-Dinawari, Book of Plants, Scientific literature,
Arabic heritage) |
|
||
التمهيد
تُعدُّ مؤلفات أبي حنيفة
الدينوري، وفي مقدمتها كتاب "النبات"، من العلامات البارزة في التراث
العربي الإسلامي، حيث جمع بين الدقة العلمية والثراء اللغوي، وقدم نموذجًا فريدًا
في التأليف الموسوعي الذي يتجاوز حدود التخصص ليشمل الأدب، واللغة، والمعرفة البيئية،
والثقافة الشعبية. لم يكن "كتاب النبات" مجرد مرجع في علم النبات، بل
جاء نصًا سرديًا غنيًا، زاوج فيه الدينوري بين الوصف الدقيق للنباتات، ونقل
الروايات الشفوية، وتوظيف الشعر والقرآن، والملاحظات الشخصية، مما أكسبه مكانة
مرموقة بين المؤلفات التراثية، وجعله مصدرًا أساسيًا للغويين والعلماء والمهتمين
بالبيئة والثقافة العربية.
يُعَدّ أبو حنيفة الدينوري
من الأعلام البارزين الذين جمعوا بين الدقة العلمية والبراعة اللغوية في التراث
العربي الإسلامي، فقد خلَّف إرثاً علمياً ضخماً تميّز بالتنوع والثراء، ومن أبرز
مؤلفاته كتاب "النبات"، الذي لم يكن مجرد عملٍ موسوعي في علم النبات، بل
نصّاً أدبياً يحتوي على بنية سردية واضحة، تجلَّت في وصفه للنباتات، ونقله
للمرويات، وتوظيفه للشعر والقرآن والملاحظات الشخصية. وقد شكَّل هذا الكتاب مصدراً
مهماً للغويين والعلماء والمهتمين بالتراث، لما احتواه من معلومات لغوية، وملاحظات
بيئية، ونقولات ثقافية.
ورغم الأهمية الكبيرة التي
حظي بها كتاب "النبات" في الدراسات اللغوية والعلمية، إلا أن معظم
الأبحاث السابقة تناولته من منظور علمي أو لغوي بحت، دون التعمق في بنيته السردية
أو استكشاف خصائصه الأدبية والفنية. من هنا تبرز إشكالية الدراسة في غياب قراءة
نقدية تكشف عن الطابع السردي للنص، وآليات التضمين الثقافي، ودور المرويات الشفوية
والشعر والقرآن والملاحظات الشخصية في بناء المعرفة النباتية عند الدينوري، الأمر
الذي يدعو إلى إعادة النظر في هذا المصنف بوصفه نصًا جامعًا بين العلم والأدب،
وميدانًا خصبًا لتحليل التفاعل بين المعرفة والسرد في التراث العربي
مشكلة الدراسة
تتمثل مشكلة الدراسة في أن
كتاب "النبات" لأبي حنيفة الدينوري لم يُدرس غالبًا من زاوية بنيته
السردية وخصائصه الأدبية، بل اقتصر الاهتمام به في معظم الدراسات السابقة على كونه
مصنفًا علميًا في علم النبات أو مرجعًا لغويًا. لذا تبرز المشكلة في غياب قراءة
تحليلية تكشف عن الطابع السردي للنص، وآليات التضمين الثقافي، ودور المرويات
الشفوية والشعر والقرآن والملاحظات الشخصية في بناء المعرفة النباتية عند
الدينوري. وتتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال الآتي:
إلى أي مدى يمثل
"كتاب النبات" نصًا سرديًا أدبيًا، ويترفع منه الأسئلة الفرعية التالية :
-ما هي الآليات الفنية
والثقافية التي وظفها الدينوري في بناء مادته العلمية.
- وكيف أسهمت هذه الآليات
في تميّز الكتاب عن غيره من المصنفات العلمية الجافة في التراث العربي؟
أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى:
أهمية الدراسة
تتجلى أهمية هذه الدراسة في عدة جوانب رئيسية:
·
تسليط الضوء على البنية
السردية في كتاب "النبات" للدينوري، وهو جانب لم يحظَ باهتمام كافٍ في
الدراسات السابقة التي ركزت غالبًا على الجوانب العلمية أو اللغوية فقط، مما يمنح
هذه الدراسة بعدًا جديدًا في فهم التراث العربي الإسلامي.
·
إبراز التداخل بين العلم
والأدب في التراث العربي، من خلال تحليل كيفيات توظيف الدينوري للأدوات السردية،
والشعر، والقرآن، والمرويات الشفوية والملاحظات الشخصية، وهو ما يمنح النص طابعًا
سرديًا أدبيًا فريدًا ويعكس ثراء الثقافة العربية في القرن الثالث الهجري.
·
تقديم قراءة جديدة لكتاب
"النبات" بوصفه موسوعة علمية وأدبية، تجمع بين المعرفة البيئية والثقافة
الشعبية واللغة، وتخدم مجالات متعددة مثل اللغة، والمعاجم، والشعر، والصيدلة،
والعطارة، وتفتح المجال أمام الباحثين لعناوين بحثية جديدة ومتنوعة.
·
إبراز مكانة الدينوري
كعالم موسوعي ولغوي بارع، وكشف أثره الكبير على الدراسات اللاحقة، حيث اعتمد عليه
كثير من المؤلفين في كتبهم، مما يعزز من قيمة الكتاب كمصدر أصيل في التراث العربي.
·
المساهمة في إثراء
الدراسات النقدية حول السرد العربي القديم، من خلال تحليل آليات التضمين الثقافي،
وتوظيف الرواية، واللغة، والوصف، مما يضيف إلى حقل الدراسات الأدبية واللغوية
والبيئية في التراث الإسلامي.
بهذا،
تبرز الدراسة كإضافة نوعية في فهم النصوص التراثية وتحليلها من منظور سردي وثقافي.
حدود الدراسة
1.
الحدود الموضوعية: تقتصر الدراسة على تحليل كتاب "النبات"
لأبي حنيفة الدينوري من زاوية البنية السردية والخصائص الأدبية، دون التوسع في
الجوانب النباتية أو العلمية البحتة إلا بقدر ما يخدم التحليل السردي.
2.
الحدود الزمانية: تركز الدراسة على القرن الثالث الهجري، وهو العصر
الذي عاش فيه الدينوري وكتب فيه مؤلفه، مع الإشارة إلى تأثير الكتاب في المؤلفات
اللاحقة عند الحاجة.
3.
الحدود المكانية: تتناول الدراسة البيئة الثقافية والعلمية للعالم
الإسلامي في المشرق العربي، لا سيما في المناطق التي ارتبطت بحياة الدينوري ونتاجه
العلمي.
4.
حدود المصادر: تعتمد الدراسة بشكل أساسي على كتاب
"النبات" للدينوري، مع الاستعانة ببعض المصادر التراثية والشروح
والدراسات الحديثة ذات الصلة بالموضوع.
مصطلحات الدراسة
1. البنية السردية (Narrative Structure)
هي التنظيم الداخلي للنص الذي يتضمن تسلسل الأحداث،
وتوظيف الوصف، والحوار، وتداخل الروايات، واستخدام الأمثال والشعر، بما يمنح النص
طابعًا حكائيًا أو قصصيًا، ويجعله أقرب إلى النص الأدبي منه إلى المصنف العلمي
الجاف. في كتاب "النبات" للدينوري، تتجلى البنية السردية في الطريقة
التي يعرض بها المؤلف المعلومات النباتية ضمن إطار حكائي غني بالاقتباسات
والمرويات والشواهد الأدبية واللغوية.
2. التضمين الثقافي (Cultural Inclusion/Intertextuality)
هو إدخال نصوص أو إشارات من مصادر ثقافية متنوعة
(كالقرآن الكريم، والشعر العربي، والأمثال، والمرويات الشفوية) داخل نص المؤلف،
بهدف الإثراء المعرفي والدلالي. ويُعد التضمين الثقافي من أبرز التقنيات الفنية
والسردية التي تمنح النص ثراءً وتداخلاً دلالياً، كما في توظيف الدينوري للآيات
القرآنية والأشعار والأمثال في وصف النباتات.
3. الرواية (Narration/Transmission)
في سياق هذه الدراسة، تعني نقل الأخبار والأقوال
والملاحظات عن الأعراب والرواة والعلماء، وتوظيفها في بناء النص. ويعتمد الدينوري
على الرواية لتوثيق المعلومات النباتية، مع إعمال النقد والاختيار بين الروايات
المختلفة، مما يضفي على النص بعدًا توثيقيًا وسرديًا في آن واحد.
4. الوصف (Description)
هو تصوير الأشياء أو الكائنات أو الظواهر بدقة
لغوية، مع إبراز خصائصها وصفاتها، سواء من خلال الملاحظة المباشرة أو النقل عن
الآخرين. والوصف عنصر أساسي في بناء السرد في كتاب "النبات"، إذ يقدم
الدينوري أوصافًا دقيقة للنباتات وبيئاتها ومنافعها، مستعينًا بالمفردات اللغوية
الغنية والأمثلة الشعرية.
5. النص العلمي الأدبي (Scientific Literary Text)
هو النص الذي يجمع بين تقديم المعرفة العلمية (عن
النباتات في هذه الحالة) وبين الأسلوب الأدبي السردي، بحيث يصبح النص موسوعيًا
وغنيًا بالأدوات البلاغية والفنية في آن واحد. ويُعد كتاب "النبات"
نموذجًا لهذا النوع من النصوص، إذ يتقاطع فيه العلم مع الأدب، والرواية مع
التوثيق، والوصف مع التحليل اللغوي والثقافي.
منهجية الدراسة
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج الوصفي
التحليلي في تناول كتاب
"النبات" لأبي حنيفة الدينوري، إذ ركّزت على تحليل البنية السردية في
النص والكشف عن أبعاده الأدبية والعلمية. انطلقت الدراسة
من قراءة نصية دقيقة لمحتوى الكتاب، مع تتبع أساليب الوصف وآليات التضمين الثقافي،
ورصد المادة المروية عن الأعراب والرواة، وتحليل توظيف الشعر والقرآن والملاحظات
الشخصية في بناء المعرفة النباتية.
الدراسات السابقة
تناولت دراسة عرابي (1999) كتاب "النبات"
للدينوري من زاوية أثره في علم النبات العربي، حيث ركزت على ريادة الدينوري في
تصنيف النباتات ووصفها، وأشارت إلى أن كتابه يُعد أول موسوعة نباتية مكتوبة
بالعربية. هدفت الدراسة إلى إبراز مكانة الدينوري في تاريخ العلوم عند العرب،
وأكدت نتائجها أن كتاب "النبات" أصبح مرجعًا أساسيًا للعلماء واللغويين،
ونصحت بضرورة تحقيق ما تبقى من أجزاء الكتاب ودراستها دراسة علمية متكاملة.
أما دراسة الحجاج (2004) فقد ركزت على التحقيق اللغوي
في كتاب "النبات"، محللة دقة الدينوري في توثيق الألفاظ النباتية
ومقارنتها باللهجات العربية الأخرى. هدفت الدراسة إلى بيان مدى إسهام الدينوري في
إثراء المعجم العربي بالنباتات، وانتهت إلى أن كتابه مصدر لغوي ثري اعتمد عليه
معظم أصحاب المعاجم اللاحقين، وأوصت بالاستفادة من مادته في إعداد معاجم حديثة
متخصصة بالنبات.
وفي مجال الطب والصيدلة، تناولت دراسة فروخ (1970)
أثر الدينوري في هذين المجالين من خلال كتاب "النبات"، حيث بينت كيف
استفاد الأطباء والعطارون العرب من وصفه الدقيق للنباتات الطبية واستخداماتها.
هدفت الدراسة إلى توضيح مكانة الدينوري كمرجع معتمد في الصيدلة النباتية، وأكدت
نتائجها أن كتابه كان مرجعًا أساسيًا في وصف النباتات الطبية، ودعت إلى مزيد من
البحث في الجوانب الطبية للكتاب.
أما من الناحية الأدبية، فقد ناقشت دراسة نصار
(1988) القيمة الأدبية والسردية في كتاب "النبات"، حيث ركزت على
الأساليب البلاغية والسردية التي استخدمها الدينوري في عرض معلوماته. هدفت الدراسة
إلى تحليل حضور الشعر والأمثال والاستطرادات في النص، وأظهرت النتائج أن الكتاب
يجمع بين العلم والأدب ويوظف عناصر السرد بشكل جاذب، وأوصت بإجراء دراسات نقدية
متخصصة حول البنية السردية في الكتاب.
التعقيب:
يتضح
من مراجعة هذه الدراسات أن معظمها ركز على الجوانب العلمية أو اللغوية أو الطبية
لكتاب "النبات"، بينما لم تحظَ البنية السردية وآليات التضمين الثقافي
وتحليل حضور الرواية والوصف والشعر في النص باهتمام وافٍ أو معالجة منهجية
متكاملة. من هنا تأتي أهمية الدراسة الحالية في سد هذا النقص، إذ تسعى لتقديم
قراءة جديدة تبرز التداخل بين العلم والأدب في كتاب "النبات"، وتحليل
بنيته السردية وآليات التضمين الثقافي فيه، بما يثري حقل الدراسات الأدبية
والنقدية حول النصوص التراثية.
الإطار النظري
وقفت هذه
الدراسة على تمهيد، وثلاثة مباحث؛ تناول التمهيد حياة الدينوري وعلمه، ووقف
التمهيد عند أقوال ابن النديم والذهبي والحموي والسيوطي وبروكلمان، وأقوالهم تؤكد
رفعة علمه، ولم يغفل التمهيد عن ذكر أشهر مؤلفاته؛ ما وصل منها وما لم يصل.
وفي المبحث الأول تناولت الدراسة التضمين الثقافي،
فتوقف عند ما أفاد منه الدينوري من مصادر الجمع، وفي مقدمتها القرآن والشعر،
والمشاهدات الخاصة والمعرفة المتخصصة.
وفي المبحث الثاني تناولت الدراسة المنقول عن
الأعراب والرواة، وقدم هذا المبحث أمثلة عديدة وأظهر ملامح السرد فيها وطرق
توظيفه.
وفي المبحث الثالث تناول ملامح السرد في سفر
النبات، وقدم هذا المبحث أمثلة عديدة اختيرت من أبواب الكتاب، كما وضح هذا المبحث
قيمة الكتاب.
وبما أن علاقة العرب
بالنبات ترتد إلى عصور قديمة قدم العرب في الأرض العربية، فقد عاشوا مع النبات،
وأفادوا من الزراعة والعطارة والتداوي، فكان النبات لصيقا في حياتهم اليومية، منه
يأكلون، ومنه يتداون، وأفادهم في التدفئة...، فحق عليهم الحديث عن هذا، ووصفه،
ولهذا جاء توثيق أنواع الزروع والثمار والشجر والأعشاب، فاعتنى العرب بالنبات،
وسموها وذكروا فوائدها وأغراضها، ووصفوا العقاقير وطرق التدوي منها، لهذا كل ما
كتب حول النبات احتوى مادة سردية، ولو قليلة، ومن الكتب التي احتوت علامات سردية
كتاب النبات للدينوري، لهذا جاءت هذه الدراسة موسومة ب "سردية الوصف الدقيق
في سفر النبات للدينوري".
وفي النهاية أقول: إن العمل الإنساني يعتريه النقص،
وبحاجة للتمام، فإن وفقت فيما قدمت فليس ذلك إلا توفيقا من الله.
حياة الدينوري وعلمه
هو أحمد بن داود بن عبد الله، ولد في القرن الثالث
الهجري بدينور، تلقى تعليمه عن البصريين والكوفيين، من شيوخه البارزين ابن السكيت،
وكان الدينوري بارزا في علوم النحو والهندسة والحساب واللغة، ثقة فيما يرويه،
ويحكيه، ومعروفا بالصدق (ابن النديم، 1985،351).
فكثير من العلماء
قدم الدينوري عالما ولغويا ومتكلما، فلم تقف قدراته عند علوم اللغة العربية
وأساليب العرب وكلامها، قال عنه الذهبي: "ألف في النحو واللغة والهندسة
والهيئة والوقت" (الذهبي، د.ت، 422/13).
وكثرت الأقوال في أمات الكتب التي تظهر الدينوري عالما
وفيلسوفا، يقول السيوطي: "كان من نوادر الرجال، ممن جمع بين آداب العرب وحكم
الفلاسفة" (السيوطي، 1964، 306/1)، وقال التوحيدي: "إنه من نوادر الرجال
جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم، وهذا كلامه
في الأنواء يدل على حظ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك، فأما كلامه في النبات
فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدوي، وعلى طباع أفصح عربي، ولقد قيل لي: إن له في
القرآن كتابا يبلغ ثلاثة عشر مجلدا، ما رأيته، وإنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا مع
ورعه وزهده وجلالة قدره" (الحموي،
1988، 1/ 258-259 ).
وذكر صاحب تاريخ الأدب العربي: " وكان مثل ابن
قتيبة في تعدد نواحي العلم، واتساع دائرة المعارف، وكثرة التصنيف معاصره أبو حنيفة
أحمد بن داود بن وتند الدينوري، وهو أعجمي الأصل بدلالة اسم جده، وفوق علوم النحو
والعربية التي أخذها أبو حنيفة عن أستاذه الكوفي ابن السكيت اهتم أيضا بعلوم
الحساب والنجوم والجغرافية والتاريخ، فوسع بكل ذلك دائرة ثقافته وعلمه"
(بروكلمان، 1959، 231/2).
أقوال العلماء تؤكد رفعة علمه، وأنه يقف صفا واحدا،
وربما زيادة مع علماء آخرين كابن السكيت وابن قتيبة والجاحظ، والذي يؤكد هذا
مؤلفاته العديدة والمتنوعة التي سيأتي الحديث عنها آتيا، وأقول العلماء فيه تؤكد
ما كان عليه من قيم حميدة كالإخلاص، والصدق، وعلو الشأن، ورجاحة الفكر والحكمة.
مصنفات الدينوري
من أشهر مؤلفاته في التاريخ الأخبار الطوال، وكتاب
النبات -موضوع الدراسة- وذكر أصحاب التراجم من كتبه التي لم تصلنا؛ لحن العامة،
والأنواء، وإصلاح المنطق، والفصاحة، والبلدان، والحبر والمقابلة، والقبلة والزوال،
وحساب الدور، والبحث في حساب الهند، والجمع والتفريق، والوصايا ونوادر الجبر،
والكسوف، وتفسير القرآن، وكتاب البيان (القفطي، 1986، 77/1، كحالة، 1957، 219/1،
ابن النديم، 1985،352).
والمتأمل في مؤلفاته يجدها في الأخبار، والنبات،
وعلم الفلك والأرصاد، وعلوم الأرض، والفقه، واللغة والأدب...، وهذا إن دلّ على شيء
فهو تخطي حدود الاختصاص إلى العلوم والمعارف المتنوعة.
وأما كتاب النبات يعد من الكتب السردية واللغوية،
إلى جانب وصفه 637 نبتة، فقد تحدث عن مراحل نموها، وإنتاج أزهارها وثمارها، بلغة
سردية شيقة- كما سيأتي- وقيل: " يظهر أن هناك إجماعا بين المؤرخين في حقل
النبات، أن أول من ألف من علماء العرب والمسلمين في هذا المجال أبو حنيفة
الدينوري، كما نال شهرة عظيمة في كتابه النبات" (عرابي، 1999،15)، وترى
الدراسة أن هذه الكتاب تعد ظاهرة سردية بامتياز، فهو يترجم المعاني المتعلقة
بالنباتات بأسلوب السرد، وكأنك أمام مرويات سردية، فيقدمها المصنف من خلال تحويل
التجربة الذهنية أو المعيشة من أفعال وعلوم إلى لغة مكتوبة ضمن نسق نثري، فقد
استطاعت هذه اللغة التي قدمها الدينوري في سفره أن تكون تدوينات أدبية، وإن
التداخل بين ما هو علمي وأدبي أتاح للسرد أن ينمو وينتظم داخل نسق مأهول بتفاعلات
شتى علمية وطبية ومعجمية ولغوية وحضارية.
المبحث الأول: التضمين الثقافي
أفاد الدينوري في وصف النباتات مما قيل فيها نثرا
وشعرا حتى أواخر القرن الثالث الهجري، ومما قيل من روايات الأعراب الثقات، كما
أضاف فيه ما نقل عن زيسقوريدوس الإغريقي العالم بالنباتات الطبية، وأفاد من محفوظه
الهائل في التاريخ واللغة الآرامية والفارسية واليونانية، وما يملك من وصف في بيئة
البلاد العربية، فسرد حقائق النياتات التي كان يعرفها العرب.
وأفاد الدينوري من أهم مصادر الجمع، وهي اللغة،
والقرآن الكريم، وكلام العرب، والأشعار والأرجاز، والرواة، والشعراء.
أولا: القرآن الكريم
تضمن الكتاب آيات القرآن الكريم، وجاء الاقتباس من
القرآن الكريم متعدد الأشكال، منها إسناد النص إلى قائله عز وجل، والاستعانة بالنص
القرآني دون ذكره عز وجل، وهو بذلك يستعين بمعرفة السامع، وكثر عنده التصرف في
النص القرآني، أي إعادة صياغته صياغة جديدة بأسلوبه الخاص، وهو أكثر الأشكال حضورا
في وصفه وسردياته في الكتاب، فمن أمثلة توظيفه للقرآن والشعر معا، قوله:
"وإذا خلص الدخان من اللهب، وذلك إذا علا وضعفت حرارته فهو نحاس، قال الله عز
وجل: "يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا
تَنتَصِرَانِ" (الرحمن، 35)، وقال الجعدي من المتقارب:
يُضيءُ كَضوءِ سِراجِ السَلِي
طِ لَم يَجعَلِ اللَهُ فِيهِ نُحاسا (الدينوري، 1974،157)
وأراد الدينوري بهذا التضمين تقاطع النصوص، الذي
يعد من أبرز التقنيات الفنية والسردية، وهو يمنح النص ثراء وغنى، والتضمين في ما
تحمله هذه الصيغة الاشتقاقية من معاني المشاركة والتداخل، بما يعني تداخل نص في نص
آخر سابق عليه، وهذا التمازج يولد نصا جديدا يحمل دلالات مختلفة تخدم السردية التي
يريدها النص، وهذا يدلل أن التضمين لا يمكن الاستغناء عنه في الخطاب السردي، وإلا
كيف سيحصل التعالق بين النص الأصلي والنص المراد، فهذا التعالق يخدم السرد، ويحدث
فيه الثراء والغنى، وهذا التعالق الذي يتحرك في فلكه النص يحدث مخالفات لتوقعات
القارئ الذي يكتشف معه فضاء النص وجسد الفكرة المتجسدة في النص.
ثانيا: الشعر
يأتي تضمين الدينوري كتابه النبات محفوظه الشعري؛
لأغراض جمالية أو للتدليل على ما يقوله، فكتاب النبات ليس ذاتا مشتقلة أو مادة
موحدة، فالدينوري يركز على مخزون ثقافي متنوع تكوّن من خلال حفظه، فهو يكتب من
كلام سواه ما يوافق موضوعه ويدعم كلامه، وفي تضمينه وتفسيره ووصفه سرد لتعزيز
الفكرة التي يلقيها المرسل في محاولة لإقناع المرسل إليه، ولإعلام المرسل أن
الفكرة وافقت أفكار الآخرين، قال ابن جني في التضمين: "فإنه فصل في اللغة
لطيف حسن يدعو إلى الأنس، فهو فن بلاغي مستحسن عن العرب يدل على سعة إطلاع
الكاتب" (ابن جني، د.ت، 310/2).
فمن التضمين الشعري الذي يأتي به الدينوري لتأكيد
الحقائق التي يرمي لها، ما قاله في العسل: "وأخبرني أن العسل قرى أضيافهم
لكثرته عندهم، والسراة أكثر أرض العرب عسلا وعنبا وتينا وزبيبا وربّا، واليمن كلها
أرض عسل، وأنشدني في عسل الضرم والندغ في وصف امرأة:
كأن فاها بعد نوم الهادي ما تجمع النحل من السِّهاد
من ثمر الضهياء والقتاد. والضرم النضر وندغ ثاد.
وكل هذا من الشجر الذي تجرسه النحل"
(الدينوري، 1974،285).
والقارئ يلحظ أن الكاتب يظهر لنا بصيغ استهلال
متعددة تفتتح بها الحكايات، فالسارد قبل أن يباشر بسرد ما يسمى المتن يفتتح كلامه
بصيغ أو بجمل استهلالية تختلف من متن لآخر، كأن يفتتح بالفعل الماضي، مثل: أخبرني
الواردة في النص المقتبس أعلاه، وتجدر الإشارة أن الخبر يتضمن وصفا وظف توظيفا
فنيا.
ويسرد لنا من خبر الشجر مفتتحا قوله بغرض بالإخبار،
يقول: " وأشهر الشجر الذي تتخذ منه المساويك وتحمل في الآفاق الأراك، فتؤخذ
من عروقه وفروعه ومن صُرعه، وواحد الصُّرع صريع وهو القضيب ينهصر إلى الأرض فيسقط
عليها وأصله في الشجرة فيبقى ساقطا في الظل لا تصيبه الشمس، فيكون ألين من الفرع
لا يجرد اللثة جرد الفرع وربما ركب الصريع التراب، فإذا أزمن تحته صار عرقا،
وانتسغت منه نواسخ فيصير شجرا وإن أخذ قبل ذلك كان ألين من الصريع البارز ولا يكون
له حروة العرق، وقال الراعي في مثل هذا ووصف فم امرأة من الطويل:
وعذب الكرى يشفي الصّدى بعد هجعة له من عروق المستظلة مائح
(الدينوري،
1974،244)
فالمنطوق في النص السابق شرح يحوي الدقة في تحديد
ما تعنيه دلالة الكلمات، فكانه في حديثه من شجر الأراك يروي ويترجم، ويعود بنا إلى
مخزونه الثقافي من الشعر.
ومن الاستهلال قوله ذكر عن، يقول: "وقد ذكر عن
اليربوعي الأعرابي قال: " تتخذ القداح من القضب، وهو خالص النبع، قال: وتتخذ
من السراء وهو أجود النبع، كذلك قال: إلا إنه أسرع القداح تعوجا حين يصيبه الندى،
وأنشد لعوف بن الأعوص من الوافر:
فلا تتعوجوا في الحكم عمدا كما يتعوج القدح السراء.
(الدينوري،
1974،359)
فمسار الإخبار هنا عن القداح هو مسار السرد، لاحظ
تكرار قوله: قال، ولاحظ الإخبار في جملة مقول القول، وكأن الدينوري في مثل هذه
النماذج يكسب ثقة القارئ أو السامع.
ثالثا: المشاهدات الخاصة، والمعرفة المتخصصة
تفرد الدينوري في كتابه بمجموعة من الانجازات، ما
جعله فيما بعد مصدرا معتمدا لدى الأطباء والعطارين (فروخ، 1970، 268)، ومن هذه
الانجازات؛ يعد أول من رسم 200 نبتة، ووضع لها وصفا وتعريفا علميا دقيقا، وبخاصة
لثمرها وطعمها ورائحتها، واعتمد على المشاهدة والملاحظة المباشرة والتجربة في
دراسته للنبات، ووصف العلاقة بين النبات والتربة بأنواعها وأشكالها المختلفة
والأحوال الجوية والسقاية، وأثر كل ذلك في مراحل نمو النبات، وظهر في كتابه أربعة
عناصر أساسية؛ التعريف اللغوي المحض، والثاني: التعريف العلمي بخصائص النبات،
والثالث: التعريف بمنافعه، والرابع: التعريف بمواضع نباته (الحجاج، 2004، 33).
ومن الأمثلة على اعتماده على المشاهدة والملاحظة،
قوله: " وأما المرخ فقد رأيته، وليست صفته هذه الصفة؛ المرخ ينبت قضبانا سمحة
طوال سلبا، لا ورق لها..." (الدينوري، 1974، 122).
ويتابع الدينوري ويسرد منافع المَرِخ، يقول:
"ومن فضيلة المرخ في كثرة النار، وسرعة الورى ما ذكره أبو زياد الكلابي، فإنه
قال: ليس في الشجر كله أورى زنادا من المرخ، قال: وربما كان المرخ مجتمعا ملتفا،
وهبت الريح فحك بعضه بعضا، فأورى فاحترق الوادي كله، قال: ولم تر ذلك في شيء من
الشجر، وهذا شيء من أمر المرخ معروف، وقد ذكره غير أبي زياد أيضا" (الدينوري،
1974، 123-124).
ويسرد لنا كثيرا من المعرفة المتخصصة، يقول: "
ومن الصموغ: المُقل الذي يسمى الكور، وهو من الأدوية، ولا نعلمه ينبت إلا ببلاد
اليمن فيما بين الشّخر وعُمان" (الدينوري، 1974، 89).
المبحث الثاني: المنقول عن الأعراب والرواة
من مصادر الدينوري الأعراب؛ والقارئ النهم يلحظ أن
الدينوري لا يسايرهم في كل ما يقولون، فهو يقبل رواية ويرد أخرى، وينقل رأيا ويترك
آخر، وخير دليلا على ذلك ما سرده في باب الزناد قوله: " أفضل ما اتخذت منه
الزناد شجرتا المرخ والعفار، فتكون الأنثى وهي الزندة السفلى مرخا، ويكون الذكر
وهو الزند الأعلى عفارا، واختلف في العفار؛ فزعم بعض الرواة وبعض الأعراب أيضا أنه
ضرب من المرخ، ولا أحسب ذلك كذلك، وإن كان الزندان جميعا كثيرا ما يكونان من
الشجرة الواحدة، وأخبرني بعض علماء الأعراب أن العفار شجرة تشبه صغار شجر
الغبيراء، منظره من بعيد كمنظره" (الدينوري، 1974،122).
وفي هذه الثقافة التي يمتلكها الدينوري نلحظ أنه
ينقلها بصورة لغوية عن طريق نقل الجزيئات مع المحكي عنه، فهنا المحكي عنه واقع
ينتج عن عملية الرواية، وكل ترتيب في تقديم المعلومات يعد وصفا متمثلا بالحقائق
التي يقدمها، وصولا للغرض التبليغي، فالمحكي عنه الزناد، قدمت حوله حقائق بطريقة
وصفيه، وصولا للغرض التيليغي وهو ما حسمه المؤلف بأن العفار شجرة تشبه صغار شجر
الغبيراء...
ومن ذلك قوله: " ومن الشجر الذي نوره ريحان،
ويربّب به الدهن بأرض العرب الظّيّان، وهو الياسمون البري، وهو كثير بأرض العرب
برية وقروية جيد، وأكثر ما يربّبون بالرياحين الشُّوع وهو ثمر البان، وهو عندهم
كثير، ويعتصرونه كما يعتصر السمسم ويستعملون دهنه، ومنه لمن ينبت ببلده شجر كثير،
وبعض العرب يجعل السّمسق الياسمين، وبعض المرزجوش. وزعم بعض الرواة أن الياسمين
يسمى السّجلّاط، وقال أبو الحسن اللحياني: السجلاط ثوب يطرح على الهودج"
(الدينوري، 1974، 230).
فالتعليق والشرح الذي ظفر به المنقول السابق رؤية
سردية قدمت مادة ارتفعت بمستوى النص، فقط قدمت وظيفة توثيقية مكتوبة حوت على
التفصيل، وزعم بعض الرواة، وما قاله أبو الحسن اللحياني، فالنص السابق تعبير عن
مشاهدات الناقلين؛ بعض العرب والرواة.
ومن ذلك قوله: " ومن ذلك الجُل وهو الورد،
وكذلك تسمية العرب، وهو بأرضهم كثير، أبيضه وأحمره وأصفره، فمنه جبلي ومنه قروي،
ويقال للجبيلة العَبال، وزعم بعض الرواة أن تورد الورد كله يقال له الوتير
والواحدة منه الوتيرة وهي الجُلّة"، ففي السابق سعى الدينوري للإظهار والكشف
بالوصف، وهو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، فالوصف خص بالحيوان والنبات
والأرض والماء والنار والأطلال، وغير ذلك في الشعر، وأقول: وكذلك في النثر، ويزداد
الوصف دقة بازدياد المفردات الدالة في اللغة، وتزداد السردية حضورا كلما كان
الكاتب متمكنا بحجم قدرته على الوصف الصادق الدقيق، وفي اختيار المعاني والأساليب،
وبمدى الرغبة في الأداء الوصفي.
ومن ذلك قوله: "وأخبرني بعض الأعراب، قال:
نأخذ المساويك من عشب الأشاء، قال: والأشاء عندنا يدعى العَلج، وأنشدنا من الرجز:
إذا اصطبحت فاصطبح مسواكا. من علج إن لم تجد أراكا."
(الدينوري، 1974،249)
ففي المنقول السابق عرض لمعرفة، وهذه المعرفة تطلبت
حوارا، وكأنك أمام نص حواري يتطلب الاستماع والمناقشة، فمن عوامل قيام النص السردي
في الفقرة السابقة؛ قوله: وأخبرني بعض الأعراب، وقوله أكثر من مرة
"قال"، وقوله: وأنشدنا، فاستخدام هذه العناصر أسهمت في السرد وكشفت
معنى، وخدمت الغرض من الكتاب.
ومن أمثلة
اعتماده على الرواية قوله في باب الدباغ: "والمُراقة: ما نتف من الجلد
المعطون، والنُّتافة: ما نتف منه على كل حال، قال ذلك بعض الرواة" (الدينوري،
1974،114).
ومن الأمثلة كذلك قوله في باب الحبال: " فإن
كان الغزل يَسرا فهو ميسور، وإن كان شَزرا فهو مشزور، وقال الأصمعي: إذا كان الفتل
إلى أسفل فهو يَسر، فإذا كان إلى فوق فهو شَزر، وفسره غيره فقال: إذا لم يُقبِل
إبهام يد الفاتل اليمنى عليه فذلك اليَمن، وهو أهون على الفاتل، والمنكوس من الغزل
ما دارت فلكته فجاءت من قبل يمين الغازل، وذهبت قبل يساره وهو أصلب الغزل، وكل غزل
فتل سحيله ضربا من الفتل فإنه إذا أبرم فتل خلاف الفتل الأول، ولا يكون إلا ذلك،
والشزر هو الفتل الذي يقال له المنكوس، وفتله دَبير، وفتل اليسر قبيل، وقال أبو
نصر: القبيل الذي قِبَل وجهك، والدبير خلاف ذلك، وإذا أبرم الغزل على ما يحبون ثم
أرادوا أن يدرجوه حبلا على ما يريدونه من عدد الطاقات فكل طاقة منها قوة والجميع
قُوىً وقِوىً أيضا بالكسر. ذكر ذلك أبو زيد" (الدينوري، 1974،260).
وإذا ما استطلعنا المنقول السابق وجدنا يعج بأسماء؛
الأصمعي، أبو نصر، أبو زيد، فهو ينقل عن أسماء كثيرة في كل مواضع الكتاب، والمتأمل
في نقوله يجده قام بعمل وصفي سردي تحليلي لغوي للنبات.
وينقل كثيرا وبصورة لافتة عن أبي زياد الكلابي، فهو
ينقل عنه في غير موضع، فمن الأمثلة على ذلك: " وقال أبو زياد الكلابي
الأعرابي: الكمأة، والجبأة والبدأة، والعراجين، والأفاتيخ، والضغابيس، والذآنين،
والطراثيث، وبنات أوبر، هذه تدعى فقوعا؛ لأن الأرض تفقّع عنها من غير أصل، ولا
بقل، ولا ثمرة، وخيرها الكمأة، قال: والأفاتيح وبنات أوبر تخرج أول الفقوع،
فيحسبها الناس كمأة، حتى يستخرجوها فيعرفوها" (الدينوري، 1974،74).
ومن الأمثلة: " وقال أبو زياد: وإذا وقع
الجراد والدبا والجنادب في الماء خبثته حتى لا يقدر عليه الناس إلا أن
يجهروه" (الدينوري، 1974،483).
ومن الأمثلة كذلك: " وقال أبو زياد: كمأة
السهل بيضاء رخوة، وكمأة الإكام سود جيدة، قال: وكذلك كمأة الدكادك التي ليس فيها
رمل ولا جبل، تُنبت القصيص والإجرد، قال: وأكثر ما تنبت الكمأة قريبا من حيث
ينبتان، قال: وإذا سمنت الكمأة تشققت من شدة السمن، وقال: يمُلّون الكمأة ثم
يقشرونها ثم يأكلونها بالملح، فإن وجدوا لبنا شربوا عليها" (الدينوري،
1974،95).
ومن اللافت في نقوله عن أبي زياد الاستطراد، ففي
باب الرعي والمراعي ينتقل للحديث عن الذباب: " قال أبو زياد: هو ذباب أربد
ومنه أخضر، قال: ولا يضير هذا النعر إلا الحُمُر، فإنه يلقى الحمار فيدخل في
منخره، فيربض الحمار، ويعلك بجحفلته الأرض، وإن سمعت الحمر طنينه ربضت ودسسن
أنوفهن في الأرض حذاره، يعني حمر الوحش والأهلية، وإذا اعترى الحمار قيل حمار نعر،
قال امرؤ القيس، ووصف كلبا طعنه ثور وحش من المتقارب:
فظل يُرنّح في غيطل. كما يستدير الحمار النعر"
(الدينوري،
1974،66)
وفي هذا النص الاستطرادي تنوع واختلاف في الأسلوب
الذي بني عليه الكتاب، إلا أنه يصدر عن روح فني واحد، وتلحظ في هذا الاستطراد
موهبة قصصية، علما أنه لم يتقيد بقاعدة قصصية محددة، بل كان علمه الوفير الدافع
الأساسي لتقديم معرفته، وتجاربه، فهو في الفقرة المقتبسة السابقة، ومثلها كثير،
صورة حياة الحمر وحمر الوحش الأهلية مع الذباب، فسرد بأسطر قليلة، وبكلمات ملائمة
تصرفات الحمر وسلوكهم إن سمعوا طنين الذباب، وهذا الاستطراد من باب ما يعرف بتداعي
المعاني، وهو باب من الخروج أو الاستطراد.
وأبو زيد الكلابي الأعرابي هو يزيد بن عبد الله بن
الحارث بن همام بن دهر بن ربيعة، ولد ونشأ في بادية العراق متذوقا السليقة
العربية، فأخذ الشعر يجري على لسانه في ريعان صباه، وكان إماما في اللغة وشاعرا
مجيدا، واشتهر بوصف ديار قيس عيلان في عالية نجد، وذكر أسماء المياه والجبال
والوديان فيها، ويعد أبو زياد المرجع الأول لمؤرخي البلدان والباحثين في معالم نجد
والحجاز، ونال إعجاب معاصريه من الشعراء، وممدوحيه من الخلفاء والأمراء كالعباس بن
محمد، والمهدي العباسي، وقد ضاعت معظم أخباره، وغابت كتبه بين كتب اللغة والنوادر،
توفي سنة 200 هجرية" (العسقلاني، د.ت، 91/12).
فالدينوري في نقله عن أبي زياد الأعرابي للتعريف
بالنبات يسرد معلومات، وتعد هذه النقطة الأكثر وضوحا، فأمر توفير المعلومات أمر
هام في السرد مع المحافظة على التسلسل والتناسق.
المبحث الثالث: ملامح السرد في سفر النبات
يعد الكتاب من الفنون النثرية التي يبالغ فيها
بالاهتمام باللفظ والأناقة اللغوية، وجمال الأسلوب، فهو كتب سفره برعاية فنية، فهو
يقدم رأيه وآراء الرواة، ورواية الأعراب، ويقدم مشاهداته...، وكل ذلك بتأنق لفظي،
وقد تخلل الكتاب كثير من الشعر، ويأتي ذكر الشعر لبيان المقدرة على التوفيق بين
المعنى الوارد في المتن والشاهد الشعري، ويأتي كل هذا بألفاظ مركبة مع بعضها تحمل
جمال الوصف، ولا شك أن ما في الكتاب يصور الحالة التي تنقل في العلم آنذاك بما فيه
من رواية ونقول.
ويعتمد الكتاب على المنهج الوصفي من خلال الملاحظة؛
يقول لوين عن الدينوري: " إن مطالعات كتاب النيات لأبي حنيفة الدينوري في
وصفه الدقيق للنبات، واستعمال الكلمات غير العربية في تعريف النباتات التي لا تنبت
في أرض الوطن العربي؛ توضح لنا أن أبا حنيفة كان ذا نظر واسع وخبرة علمية عميقة
بأسماء النباتات العربية وغير العربية، لذلك كان عمدة في اللغة وبخاصة في النبات،
فأمدها بفيض زاخر من الألفاظ الجيدة، وقام بتحقيقات لغوية واسعة لأسماء النبات،
وأوصافه، فكان منبعا صافيا استمد منه أكثر علماء العرب من النياتين ما أثروا به
مؤلفاتهم" (الحجاح، 2005، 157-158).
ومن اللافت للنظر في قول لوين، أن الدينوري قام
بتحقيقات واسعة لأسماء النباتات وأوصافها، وهذا التحقيق جعل الدينوري يسرده، ونضرب
الأمثلة التالية على أوصاف النبات بما فيها من ملامح سردية.
مثال 1 " والضغانيس تفقّع من تحت الأرض، فيخضر
ما ظهر منها وما في الأرض منها خير من ذلك وهو أبيض، يأكله الناس أخضره وأبيضه،
فإنما تخرج ساقا ساقا ليس لها ورق ولا شعب، وما في الأرض منها حلو وما خرج منها
فحامض" (الدينوري، 1974، 93-94).
مثال 2 " والطرثوث نبات على طول الذراع لا ورق
له، كأنه من جنس الكمأة، وقال بعض مشيخة الرواة: الطرثوث نبت أحمر يخرج في أصل
الرمث، وهو جنس من الفُطر، وليس به، ويقال لثمرته النُّكعة، وقال: ويقال في المثل
هو أشد حمرة من النكعة ففتح" (الدينوري، 1974، 96-97).
وإذا كان في المثالين السابقين وصف وشرح المنابت
للنبتة وللثمرة، وقدم مادة لغوية، قدم كذلك الأمثال في سفره، فمن الأمثال:
"هو أشد حمرة من النكعة" ومن المعلوم أن الأمثال أسلوب أدبي يتناسب مع
الايجاز في التعبير، وأكثر ما يميز الأمثال؛ يكثر فيها مجيء أسلوب التفضيل في أول
المثل، وكذلك الشرط والنهي والنفي...( الحوراني، 2011، 80-81).
مثال ٣ " وقال أبو زياد: العرجون تفقّأ عنه
الأرض ثم يخرج صعدا، ليس له شعبة إلا هو وحده وهو أبيض، يطبخه الناس في أول نبته،
فإذا يبس طارت له برعمه وخرج منه مثل الورس يسمى فسوة الضبع" (الدينوري،
1974،105).
وما يميز هذا الكتاب حضور الوصف بكثافة، فهو يقدم
مشاهداته واصفا إياه، كما يقدم أوصاف الرواة والأعراب، وعلى رأسهم أبو زياد
الأعرابي، ونقل الرواية وما قيل هو استرجاع للمنطوق، خوفا عليه من التلاشي
والاندثار، وهذا الاستحضار لا يتم إلا عن طريق التذكر، بكل ما يترتب عن عمل الذاكرة
من زيادة ونقص وتقديم وتأخير، وفق الغرض الذي يخدمه الوصف.
ومن الملامح السردية في سفر الدينوري القصة أو شبه
القصة، فيحتوي على أحاديث وأخبار ضمها الكتاب، وجاءت كمؤشر لثقافته، فهو حسب كتابه
لم يكن مؤرخا فيه أو راوية للأحاديث، بل كان مهتما بالاستطراد الموشى بالبلاغة
والبيان والوقائع والراوي، يقول:
مثال 1 " ويزعم البصريون أن رجلا منهم حضر
مجلس ملك سرنديب، وليس بالهند نعام، فأجرى في حديثه ذكر النعام، وأكلها الحجارة،
وابتلاعها الجمر، فكذبه الملك، فكبر ذلك على الرجل، وكان من قبل ذا منزلة عنده،
فلم يعد يدخل عليه بعد ذلك إلى أن كتب إلى البصرة، فوجه إليه بنعامات، فوصل بعضها
بعد زمان، فأتى به الملك حتى نظر إليه وإلى أكله الحجارة وابتلاعه الجمر رأي عين،
فأزال عن نفسه هجنة الكذب، وسقوط المنزلة" (الدينوري، 1974،65).
مثال2 " وقال أبو خيرة: أحدثك بحديث عن الجراد
قلّ من يحدثكه، سمعت أبي قال: سمعت أهل البحر يحدثون قالوا: إن جانبا من البحر في
غربي اليمن إذا كان إبّان الجراد يبرق كما يبرق الغيم، لا يبرق إلا ذلك الجانب،
فإذا طال برقه فدام ليلتين أو ثلثا كثر الجراد ذلك العام، وإن خف برقه قلّ الجراد،
قال: ثم يعدون لذلك البرق عِدة معلومة، منهم من يقول: إحدى عشرة ليلة، فيخرج على
وجه الماء مع الزبد مثل القمص، والقمصة دابة صغيرة مثل الذباب فيغبرون خمس عشرة
ليلة، وذلك خروجهن إلى الساحل، فإذا بلغت أن تتم وتطير وألقت سرءها حملتها الريح
فتهلك، فلا يعلم أحد مهلكها إلا الله عز وجل..." ( الدينوري، 1974،85).
وهو في هذا كله يعتمد على ما اطلع عليه من التراث،
والرواة ومزجه في كتابه بين الصدق الفني والصدق الواقعي، فأسلوبه واضح الملامح،
وتكشف سردياته وما فيها من وصف وقول وحوار، وقصة ومثل توارث العلوم والفنون، وعلى
رأسها اللغة.
وتظهر قيمة الكتاب في أنه:
أولا: موسوعة علمية ضخمة، جمع فيها المؤلف؛ المعارف
والغرائب والنوادر، واللطائف، فمن: " يقرأ كتاب النيات للدينوري يصل إلى
حقيقة لا تقبل الشك والجدال بأنه موسوعة علمية تاريخية لغوية، تناول فيها مؤلفها
أبو حنيفة ذكر أكثر النباتات التي كان يعرفها العرب، وجاءت في لسانهم، وأسمائها
باللغة العربية والآرامية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى ما اشتملت عليه من
دراسة مناخ وتربة، وبيئة البلاد العربية بشكل عام" (الحجاج، 2004،31).
ثانيا: الكتاب عمدة للغويين من بعد، إذ " لم
يترك أبو حنيفة شاردة ولا واردة إلا أثبتها في كتابه، حتى فاق بهذا المصنف من
تقدمه من علماء اللغة ومدونيها الباحثين في النبات، وقد صار هذا الكتاب عمدة
اللغويين الذين أتو بعد أبي حنيفة، فما منهم إلا ونقل عنه" (عرابي، 1999،15).
ثالثا: هذا الكتاب أوسع أفقا من الكثير من
المصنفات، ومظاهر هذا الاتساع؛ أولا: حجم الكتاب الضخم، وأغلب المؤلفات السابقة له
مجرد رسائل قصيرة، وثانيا: ترتيب المادة الوصفية والعلمية، حيث كان ترتيب الأجزاء
الأربعة الأولى حسب الموضوعات، بينما ترتيب الجزأين الأخيرين على حروف المعجم،
وثالثا: الحديث عن منافع النبات، ورابعا::التحديد العلمي الذي تجاوز فيه الدينوري
الوصف (ابن مراد، 1988، 90-93).
وكثير من
الباحثين أثنوا على الكتاب، ووصل الأمر ببعضهم إلى التحسر على ضياء أجزاء من
الكتاب، يقول حسين نصار: "وأعتقد أن كل ذلك يؤدي بنا إلى تصديق القدماء حين
يثنون على كتاب أبي حنيفة، والتحسر لضياع القسط الأكبر منه، فهو أغزرها مادة،
وأغناها بالاستطرادات النافعة، وأكثرها شواهد أدبية، وأجمعها لخصائص الجودة"
(نصار، 1988،82).
وهذه نماذج من محتويات الكتاب التي وصلت إلينا، وهي
الجزء الثالث، وفيه الأبواب التالية، باب آفات الحرث والنخل، وباب الرعي والمراعي،
وباب صفة الجراد والجنادب، وباب وصف الكمأة، وباب الصمغ واللثا والمغافير، وباب
الدباغ وباب الزناد، وباب في ألوان النيران والأرمدة والأدخنة، وباب ما يصبغ به
وباب الروائح الطيبة والمنتة، وباب المساويك، وباب الحبال، وباب العسل والنحل،
والنصف الأول من الجزء الخامس، وهو باب القسي والسهام.
- قال
في باب الصمغ: " ومن العلك علك المصطكى على مثال فعللى، وهكذا جرى في كلام
العرب مقصورا، الميم من نفس الكلمة، وزعم بعض الرواة إنه يقال شراب ممصطك إذا كان
فيه المصطكى، وهذا شاهد على أن الميم من نفس الكلمة، وقد قال الأغلب العجلي من
الراجز:
تقذف عيناه بعِلك المصطكى
وليس مما ينبت بأرض العرب، وإن كان جرى في كلامهم،
ولكن عندهم علك الضِّرو يجئ به الحلاب فيجعل في الدُّخن، وشجر الضرو وشجر المصطكى
وشجر البطم الذي يسمى علكه علك الأنباط كأنها متناسبة..." (الدينوري، 1974،111).
في المنقول السابق وما بعده مما لم يذكر وضح
الدينوري شجر المصطكى، والضرو والبطم، فمثلا قال في شجر الضرو: "وأخبرني بعض
الأعراب أن علك الضرو يبدو صغيرا ثم يربو حتى يصير مثل البطيخة، قال: وللضرو أيضا
حَلَب مثل القار لزج" (الدينوري، 1974،111)، كما قدم المعنى اللغوي، ودلالة
اللفظ، كما استشهد ما عليه سنة العلماء بالرجز، والسماع من الأعراب والعرب
والرواة.
- قال
في باب ألوان النيران: "يجمع الدخان
أدخنة ودواخن ودواخين، ويقال دخنت النار تدخُن دخانا ودَخونا إذا ارتفع دخانها،
وكذلك عثنت تعثن عثونا، والعثان الدخان وهي العواثن، وكذلك عكبت عكوبا والعكوب
أيضا الغبار وقال أبو زيد ...، وقد دخنت النار وعثنت تدخينا وتعثينا بمعنى واحد،
وقترت وأقترتها أنا، قال الشاعر من الوافر.
تراها الدهر مُقتِرة كباءً ومِقدح صفخةٍ فيها نقيع
فأما الجمر فلون جميع الحطب لون واحد أو قريب، ولكن
في ألوان اللهب اختلاف، وكذلك في ألوان الأدخنة والأرمدة" (الدينوري،
1974،172).
وفي المنقول السابق سار الدينوري بذكر اللفظ مفردا
وجمعا، وذكر مترادفاته، واستشهد ببيت من الشعر وهو من الوافر، والنقل عن علماء
اللغة كأبي زيد، والسرد معنى، وما سبق معنى بما فيه من فعل وفاعل ووصف، فالمصنف
ومن روى عنه ويروي عنهم كله يعمل على خدمة المعنى.
- قال
في باب الروائح: " فأما النبات الذَّفر والكريه الرائحة فإن منه الذفراء، وقد
ذكرناها، ومنه الخمخم، وقال أبو زياد: له ريح ذفرة توجد في طعم اللبن، قال: وكذلك
الشُّقّارى، وهما متشابهان في النبات والنور، وفي الخمخم يقول عنترة من الكامل:
ما راعني إلا حمولة أهلها. وسط الديار تسفّ حبَّ الخمخم
وعن الأعراب: الحزاء سذاب البر، وهو خبيث الرائحة،
وتقول الأعراب إن الجن لا تدخل بيتا يكون فيه، واحدته حزاءة، وهو دواء وقد ذكرها
أبو النجم... " (الدينوري، 1974،241).
في المنقول السابق استشهد بشعر عنترة، والنقل عن
الرواة وعلماء اللغة والأعراب كأبي زياد وأبي النجم، وفي ذلك سماع عن العرب
والأعراب والرواة، كما وضح النبات كريهة الرائحة، في وصف موجز.
والمطلع بدقة في النماذج السابقة وما شاكلها في
كتابه يجد سردا علميا ولغويا في وصفه لمنافع النبات وفوائده، وبيان أنواعه،
والمواضع التي ينبت فيها، فالكتاب أقرب إلى المعرفة الأدبية واللغوية منه إلى
المعرفة المتخصصة، ففيه عناية بالمعنى اللغوي، والاستشهاد بالقرآن والشعر
والأرجاز، كما اعتمد النقل عن الأعراب والرواة، والنقل عن علماء اللغة كالأصمعي
وأبي زيد وابن الأعرابي...، كما أعتمد على الأصول اللغوية كالسماع والقياس، وفيه
كثير من الملاحظات المستقلة التي اعتمدت على مشاهداته.
الخاتمة
توصلت الدراسة إلى جملة نتائج:
1.
الكتاب كثير العناية بالمعنى اللغوي، وكثير الاستشهاد بالقرآن والشعر والرجز،
واعتمد على الرواية، وإذا استطلع فهرس الأشعار والأرجاز، فهو يعج بأسماء كثيرة،
فهو يستشهد بامرئ القيس، والذبياني، وعنترة العبسي، وعمرو بن كلثوم، وأوس بن حجر،
وحسان والحطيئة وجرير والفرزدق والأخطل والراعي وابن هرمة، وكثير والجعدي وكعب بن
زهير، والنمر بن تولب وغيرهم، وهذا كله جعل الكتاب محط إعجاب الدارسين في حقل
اللغة، فالكتاب يضع الدينوري في منزلة متقدمة كلغوي بارع.
2.
إن الأعراب كانوا مصدرا مهما من مصادر الدينوري، ولكن كان يقبل رواية ويرد أخرى،
وينقل رأيا، ويترك آخر.
3. يعد
الكتاب موسوعة نباتية، ولغوية، واحتوى علامات سردية، وقدم الكتاب صورة من صور
التأليف في القرن الثالث الهجري.
4. إن
كتاب النبات مصنف جامع للعديد من المعارف، ومادته تخدم الكثير من الدراسين في حقول
اللغة والمعاجم والشعر والصيدلة والعطارة،
وتعدد الموضوعات فيه تفسح المجال للعديد من العنونات البحثية للدارسين.
5. من
خلال بحثي في الكتب حول ما قيل عن كتاب النبات وجدت كثيرا من المصادر أفادت منه،
فقد تواترت معلومات هذا الكتاب في كثير من أسفار اللاحقين، فاعتمد عليه صاحب كتاب
خزانة الأدب، وصاحب كتاب تاج العروس... وغيرهما الكثير.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
أولاً:
المراجع العربية:
1.
بروكلمان،
كارل، 1959، تاريخ الأدب العربي، تر، عبد الحليم النجار، ط5، مصر، دار المعارف.
2.
ابن جني،
أبو الفتح عثمان، د.ت، الخصائص، تح: محمد علي النجار، ط2، بيروت، دار الهدى
للطباعة والنشر.
3.
أبو
شوشة، فاتنة أحمد. 2024. تحليل الخطاب الشعري: قصيدة "لا تعتذر عما
فعلت" لمحمود درويش نموذجاً. مجلة رابطة التربويين الفلسطينيين للآداب و
الدراسات التربوية و النفسية،مج. 4، ع. 11، ص ص. 1-17.
https://search.emarefa.net/detail/BIM-1603894
4.
الحجاج،
عادل محمد، 2004، أبو حنيفة الدينوري شيخ النباتيين، حياته، مآثره العلمية،
مؤلفاته، ط1، عمان، جهينة للنسر والتوزيع.
5.
الحجاج،
عادل محمد، 2005، موسوعة أعلام العرب والمسلمين في علوم الحيوان والنبات, د.ط،
عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع.
6.
الحموي،
ياقوت، 1988، معجم الأدباء، د.ط، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
7.
الحوراني،
هيا عطية صالح، 2011، البنية السردية في أعمال أبي حيان التوحيدي، رسالة دكتوراة،
الجامعة الأردنية.
8.
الدينوري،
أبو حنيفة، 1974، كتاب النبات، الجزء الثالث والنصف الأول من الجزء الخامس، تح:
برنهارد لفين، بيروت، دار القلم.
9.
الذهبي،
شمس الدين، د ت، سير أعلام النبلاء، تح: شعيب الأرناؤوط وآخرين، بيروت، مؤسسة
الرسالة.
10.
السيوطي،
جلال الدين، 1964، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تح: محمد أبو الفضل
ابراهيم، ط١، القاهرة، مطبعة الحلبي.
11.
الصفدي،
خليل بن أيبك، 1974، الوافي بالوفيات، اعتناء: ديدرينغ، ط2، دار فرانز شتاينر.
12.
عرابي،
سمير، 1999، علوم النبات والحيوان عند علماء العرب والمسلمين، ط1، القاهرة، دار
الكتاب الحديث.
13.
العسقلاني:
ابن حجر، د.ت، تهذيب التهذيب، اعتناء: إبراهيم زيبق وعادل مرشد، د.ط، بيروت، مؤسسة
الرسالة.
14.
فروخ،
عمر، 1970، تاريخ العلوم عند العرب، د.ط، بيروت، دار العلم للملايين.
15.
القفطي:
علي بن يوسف، 1986، إنباه الرواة على أنباه النحاة، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم،
ط1، القاهرة، دار الفكر العربي.
16.
كحالة،
محمد رضا، 1957، معجم المؤلفين، د.ط، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
17.
ابن
مراد، ابراهيم، 1988، ضمن كتاب "اسهامات العرب في علم النبات في الندوة
العالمية الثالثة لتاريخ العلوم عند العرب"، الكويت، مؤسسة الكويت للتقدم
العلمي.
18.
ابن
النديم، محمد، 1985، الفهرست، تح: مصطفى الشويمي، د.ط، تونس، الدار التونسية
للنشر.
19.
نصار، حسين، 1988، ضمن كتاب "اسهامات العرب في علم
النبات في الندوة العالمية الثالثة لتاريخ العلوم عند العرب"، الكويت، مؤسسة
الكويت للتقدم العلمي.
ثانياً : المراجع
العربية الإنجليزية
Brockelmann, C. (1959). History of Arabic literature
(In Arabic) (A. Al-Najjar, Trans., 5th ed.). Cairo, Egypt: Dar Al-Maaref.
Ibn Jinni, A. F. O. (n.d.). Al-Khasa’is
[Linguistic Characteristics] (In Arabic) (M. A. Al-Najjar, Ed., 2nd ed.).
Beirut, Lebanon: Dar Al-Huda for Printing and Publishing.
Abu
Shousha,. 2024. Poetic Discourse Analysis: Mahmoud Darwish's Poem "Don't
Apologize for What You Did" as a Model. Journal of the Palestinian
Educators Association for Literature, Educational and Psychological Studies,
Vol. 4, No. 11, pp. 1-17.
https://search.emarefa.net/detail/BIM-1603894
Al-Hajjaj, A. M. (2004). Abu Hanifa
Al-Dinawari: The pioneer botanist – His life, scientific legacy, and works (In
Arabic) (1st ed.). Amman, Jordan: Juhaina for Publishing and Distribution.
Al-Hajjaj, A. M. (2005). Encyclopedia of
Arab and Muslim scholars in zoology and botany (In Arabic). Amman, Jordan:
Osama Publishing and Distribution.
Al-Hamawi, Y. (1988). Mu'jam Al-Udaba’
[Dictionary of Scholars] (In Arabic). Beirut, Lebanon: Dar Ihya’ Al-Turath
Al-Arabi.
Al-Hourani, H. A. S. (2011). The narrative
structure in the works of Abu Hayyan Al-Tawhidi (In Arabic) (Doctoral
dissertation, University of Jordan).
Al-Dinawari, A. H. (1974). Kitab
Al-Nabat: Volume 3 and the first half of volume 5 (In Arabic) (B.
Lewin, Ed.). Beirut, Lebanon: Dar Al-Qalam.
Al-Dhahabi, S. A. (n.d.). Siyar
A‘lam Al-Nubala’ [Biographies of Notable Figures] (In Arabic) (S.
Al-Arna’oot et al., Eds.). Beirut, Lebanon: Al-Resalah Publishing House.
Al-Suyuti, J. A. (1964). Bughyat
Al-Wu‘at fi Tabaqat Al-Lughawiyyin wal-Nuhat [The Linguists’ Biographical
Dictionary] (In Arabic) (M. A. Ibrahim, Ed., 1st ed.). Cairo,
Egypt: Al-Halabi Press.
Al-Safadi, K. A. (1974). Al-Wafi
bil-Wafayat [Complete Biographies] (In Arabic) (H. Dedering, Ed.,
2nd ed.). Stuttgart, Germany: Franz Steiner Verlag.
‘Urabi, S. (1999). Botanical and zoological sciences among Arab
and Muslim scholars (In Arabic) (1st ed.). Cairo, Egypt: Dar
Al-Kitab Al-Hadith.
Ibn
Hajar Al-‘Asqalani. (n.d.). Tahdhib Al-Tahdhib [Refinement of Biographies]
(In Arabic) (I. Zaybaq & A. Murshid, Eds.). Beirut, Lebanon:
Al-Resalah Publishing House.
Farukh, ‘O. (1970). History
of science among the Arabs (In Arabic). Beirut, Lebanon: Dar
Al-‘Ilm Lilmalayin.
Al-Qifti, ‘A. Y. (1986). Inba’
Al-Ruwat ‘ala Anba’ Al-Nuhat [Notices of the Grammarians] (In Arabic)
(M. A. Ibrahim, Ed., 1st ed.). Cairo, Egypt: Dar Al-Fikr Al-‘Arabi.
Kahhala, M. R. (1957). Mu‘jam
Al-Mu’allifin [Dictionary of Authors] (In Arabic). Beirut, Lebanon:
Dar Ihya’ Al-Turath Al-‘Arabi.
Ibn Murad, I. (1988). Arab
contributions to botany (In Arabic). In Proceedings of the 3rd International Symposium
on the History of Arab Science (pp. 50–82). Kuwait: Kuwait
Foundation for the Advancement of Sciences.
Ibn
Al-Nadim, M. (1985). Al-Fihrist [The Index] (In Arabic)
(M. Al-Shuweymi, Ed.). Tunis, Tunisia: Tunisian Publishing House.
Nassar, H. (1988). Arab
contributions to botany (In Arabic). In Proceedings of the 3rd International Symposium
on the History of Arab Science (pp. 12–38). Kuwait: Kuwait
Foundation for the Advancement of Sciences.